- ما هى أصول الجيرة وقواعدها؟ الجيران يشكلون بالعشرة جزءاً من عائلتك التي تنتمي إليها، فهم يسكنون معك ولكن بشكل غير مباشر.
إذا كنا نحرص دائماً على اتباع قواعد الذوق وآداب المعاملة في كل شئ في حياتنا في الطعام, توجيه الشكر، تبادل الهدايا، التحية، في العمل مع الآلات الساكنة من الفاكس والبريد الإلكتروني والتليفون أو حتى أثناء دخول الحمام، فمن الأولى أن نعرف قواعد الإتيكيت مع الأشخاص ليس فقط الأصدقاء أو في مجال العمل مع الرؤساء والزملاء ولكن مع الجيران أيضاً.
* أصول الجيرة الطيبة:
- دائماً وأبداً تطبق "القاعدة الذهبية" حب لغيرك ما تحب لنفسك أو عامل غيرك كما تعامل نفسك.
- احترام خصوصياتهم.
- التسامح ومناقشة المشاكل معهم أو مصادر المضايقة إن وجدت بشكل مباشر، لا تستخدم الوساطة.
- عدم التداخل الشديد في أدق تفاصيل حياتهم ما لم يطلب منك ذلك فكل له حياته الخاصة و أصدقائه الذين لا يكونون أصدقاء لك أو لهم.
- إياك والضوضاء وما يسببه الأطفال من إزعاج عند الصراخ ورفع الأصوات، ولا يقتصر ذلك علي أصواتهم بل أصوات الراديو والتليفزيون ولكاسيت وخاصة في أوقات الليل المتأخرة.
- وإذا كنت من هواة تربية الحيوانات أو لديك أطفال حديثي الولادة ... ستسأل ماذا أفعل معهم فمن الصعب التحكم وإسكاتهم أو السيطرة بسهولة على الحيوان، تهدئة الطفل أو الحيوان الأليف وإغلاق النوافذ هما الحل!!.
- القمامة من الأمور المزعجة أكثر من الضوضاء فهي تؤذي حاسة الشم والبصر ناهيك عن الأمراض التي تسببها بالإضافة إلي اتساخ المنزل.
- الجيرة ليست هي جيرة المنزل والسكن، فإذا دققت في معني الجار أي الشيء المجاور لك سواء في سكن، في مكان عام، في النادي، علي الشاطئ أو من يكون بجوارك بالشارع. و كل هذا له قواعده مثل المنزل تماماً التزام الهدوء و النظافة.
حسن الجيرة اساس المجتمع الفاضل:
يحتل الجوار مكانة بارزة بين العناصر المكونة لكيان أي مجتمع إنساني، ومن ثم فقد اهتم الإسلام بالجوار اهتمامًا كبيرًا بهدف تقوية الجانب الإيماني لدى المسلم وإكسابه القدرة على مقاومة الرذائل في المجتمع التي قد تنذر بسقوط الكيان الاجتماعي.
ولأهمية الموضوع فقد حاولنا توضيح رؤية الإسلام لقيمة حسن الجوار، وكيفية تحقيقه على أرض الواقع؛ تمهيدا لخلق المجتمع الفاضل الذي أمر به الإسلام وأراده للمسلمين مجتمعا متحابا ومتراحما..
بداية يركز الدكتور محمد فؤاد شاكر -أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة عين شمس- على أن الجوار في الإسلام لا يقصد به جوار البيت فقط؛ وإنما الجوار قد يكون في العمل، أو في مكان تحصيل العلم، وقد يكون في السفر؛ فالقرآن الكريم أوصى في أكثر من آية بالجيران، فقال تعالى: )وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ(، مشيرا إلى أن الجيران ينقسمون من حيث الحقوق إلى عدة أقسام:
1- جار له ثلاثة حقوق، وهو الجار ذو الرحم المسلم.
2- جار له حقان وهو الجار المسلم الذي ليس رحما.
3- جار له حق واحد وهو الجار غير المسلم.
ويضيف شاكر: اعتبر الإسلام حسن معاملة الجيران من كمال الإيمان؛ نظرا لأهمية الجيرة؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه".
وقد اشتكى بعض الصحابة إلى النبي من سوء امرأة، فقالوا: "إنها صوامة قوامة غير أنها تؤذي جيرانها"، فقال صلى الله عليه وسلم: "هي من أهل النار"، وضرب لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل بالإحسان إلى الجار حتى ولو كان من غير المسلمين، حيث ذهب الرسول صلى الله عليه وسلم ذات مرة يعود غلامًا مريضا من اليهود، كان من جيرانه، فلما رآه يغرغر أشفق عليه، فقال له: "قل لا إله إلا الله أشفع لك بها عند ربي" فنظر الغلام إلى أبيه واستحى فقال له أبوه: "قلها يا غلام واسمع كلام أبي القاسم".
ويوضح شاكر أن حسن الجوار دعوة إلى التآلف والمودة والمحبة بين الناس ونبذ للخلاف والشقاق؛ ولهذا إذا أحسن كل مسلم إلى جاره عم الود في المجتمع، وقلت مشاكله، وأصبح الناس في أمن وأمان، وازداد قربهم وتآلفهم على محبة الله والإيمان به، فالمجتمع المسلم يستقي تعاليمه وسلوكياته من الإسلام. ولا ينبغي أن يقلد أحدا من الناس من المجتمعات الغربية التي تتلاشى فيها قيم حسن الجوار ولا تظهر فيها هذه المثل.
ويستطرد الدكتور فؤاد شاكر قائلا: ينبغي أن نتأسى بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى مع بروز المجتمعات المتحضرة وظهور أشياء لم تكن موجودة في سلفنا؛ فنحن أحوج ما نكون إلى تطبيق أخلاق الإسلام كي يشعر الإنسان في ذاته أنه ليس وحيدا في هذا الكون؛ وأن هناك من يواسيه ويساعده ويمد له يد العون عند الحاجة.
الجار قبل الدار
ويتفق المفكر الإسلامي الدكتور عبد الصبور شاهين، مع الدكتور فؤاد شاكر فيما ذهب إليه ويضيف: مما لا شك فيه أن الجيرة لها تأثير كبير على إيمان الإنسان، خاصة إذا كان هناك تفاهم بين الجيران، ولذلك أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم بالجار، وقال في ذلك: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" أي سيجعل له نصيبا من الميراث.
ويقول شاهين: ينبغي على الفرد المسلم أن يلتمس الجيران الصالحين، فيتعامل معهم ويبتعد عن الجيران السيئين فيتجنبهم، إذ تولد الجيرة الصالحة نوعا من المعاملات الأخلاقية البناءة.
وعن السلبيات المؤثرة على أخلاقيات الجيرة، يشير شاهين إلى أن الأنانية وعدم تبادل المعروف من أهم السلبيات التي تؤثر على العلاقات بين الجيران، والسبب يرجع إلى التنشئة الأولى، فما يكتسبه الفرد في حداثته وفي مرحلته التعليمية الأولى من القيم والأخلاقيات هو الذي يسيطر عليه عندما يكبر ويصبح جارا للآخرين.
وتشير الدكتورة مهجة غالب أستاذة التفسير بكلية الدراسات الإسلامية للبنات بجامعة الأزهر: إلى أن الإنسان له حقوق عامة، وقد بينّ الإسلام هذه الحقوق سواء بالنسبة إلى الأسرة أو المجتمع، وتعد الجيرة مجالا من مجالات المجتمع التي تناولها الإسلام بشكل تفصيلي في القرآن والحديث.
وتضيف مهجة: إن دل هذا على شيء؛ فإنما يدل على حرص الإسلام على حسن العلاقة بين الجيران؛ لأن الإنسان دائما يحتاج إلى الغير، فالجار أقرب إنسان للفرد خاصة في زماننا الحالي الذي ينفصل فيه الفرد في مسكنه عن أسرته وعائلته، ومن هنا كانت ضرورة اختيار الجار قبل الدار. فلا بد من القضاء علي السلبيات في تعامل الجيران مع بعضهم البعض؛ لنستعيد معنى الجوار الإسلامي الصحيح، مثل السلبيات النابعة: تفشي مفهوم انعزالية، خوف البعض من الاختلاط؛ خشية اطلاع الآخرين على أسرار البيوت وإفشاؤها.
وتختتم الدكتورة مهجة غالب بالقول: إذا ما طبق الجار قواعد الدين في حسن الجوار؛ كزيارته ومعاونته في وقت الضرورة، فإن ذلك سيؤدي إلى ارتباط الإنسان بجاره برابطة إسلامية؛ وتطبع الشخص بطباع جاره المسلم عندما يجد فيه الطباع السليمة الإسلامية، كما يستجيب لنصائحه في الدين ويحرص على تطبيقها؛ بما يؤدي إلى رقي الأخلاق ورفع إيمانيات الأشخاص.
عقوق الجار
ويوضح الدكتور عزت عطية -أستاذ الحديث بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر- أن الإسلام حث على رعاية الجار والعناية بالجيرة وجعل لها حقا مقدما على بعض الحقوق الأخرى؛ فقد قال الله تعالى )وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا( (النساء: 36)، حيث جعل الله الجوار حقا مجاورا لحقوق الأقارب والفقراء والمساكين، كما أوصى الرسول بالجار فقال: "من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فليكرم جاره".
ويستطرد الدكتور عطية قائلا: إن ذكر حق الجوار في الإسلام بهذه الصورة يدل على أن الجار له في المقام الأول حق المعاملة الحسنة وعدم الإيذاء، والمعاونة عند الضرورة، وعدم مقابلة إساءته بالإساءة إلا إذا اقتضت المعاملة ذلك، ولذلك كان إيذاء الجار المسلم من الذنوب الكبيرة؛ لأنها إساءة لحقين: حق الإسلام وحق الجوار، مشيرا إلى أن الجيرة كما تكون في المنازل تكون في المنطقة الواحدة وبين أبناء الأوطان المتجاورة. بل إن رعاية حقوق الجار بين الجماعات أولى وأهم من رعاية حقوق الجوار بين الأفراد لما في ذلك من أهمية كبيرة في تنشئة المجتمع الإسلامي الفاضل.
وعن أهمية الجيرة وأثرها على الإيمان يقول الدكتور عطية: "يعتبر الإحسان إلى الجار عملا تقتضيه الفطرة السليمة والعقول الصحيحة، وتدعمها العقيدة في النفوس، وكما تنبع الأعمال الطيبة من العقيدة الصحيحة فإنها في نفس الوقت تغذي هذه العقيدة بما يقويها ويثبتها، لذا يعد إيذاء الجار دليلا على ضعف الإيمان بالأوامر الإلهية والوصايا النبوية في الجوار، خاصة أن المعاصي يسوق بعضها إلى بعض، بينما الطاعات يغذي بعضها بعضا.
ومن عقوق الجار: الطمع فيما عنده، أو محاولة استغلاله بحجة الجوار، أو بالتدخل في شئونه، وقد يتسبب البعض بهذا التدخل في إفساد العلاقة بين الزوج والزوجة، والحسد والحقد، وفرض بعض الأمور على الجار بالقوة، والشماتة منه إذا إصابته مصيبة... إلى غير ذلك من الأمراض الاجتماعية الخطيرة.
ومن خلال ما سبق يتبين أن حسن الجوار من أساسيات بناء المجتمع الإيماني الذي يتعاون فيه أفراده على محبة الله والقرب منه من خلال تبادل المحبة والمودة والقرب التي أوجبها الإسلام على أتباعه في مجال الجيرة. فمن شأن الجيرة مكافحة الأمراض الاجتماعية التي تعاني كثير من المجتمعات في عصرنا الحاضر.
كتبها مازن الشاعر في 09:57 مساءً ::
الاسم: مازن الشاعر
